‏إظهار الرسائل ذات التسميات تنمية بشرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تنمية بشرية. إظهار كافة الرسائل

البحث عن السعادة (8).. الخوف من الإفتقار

"كاد الفقر أن يكون كفراً" مقولة تنسب للرسول الكريم (ص) وهي وغيرها الكثير من الروايات الواردة في ذمّ الفقر تدعو الإنسان إلى أن يكد ويعمل ويقتصد ويُدبِّر أُموره، لتزيد موارده وتقل نفقاته، حتى يتجاوز مرحلة الفقر والحاجة، ليغنيه الله، ويكون بذلك عوناً لنفسه ولمجتمعه. قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (المُلك/ 15). وفي الأثر: أنّ النبي (ص) اجتاز ومعه أصحابه برجل، فرأى الصحابة من جدّه ونشاطه ما أعجبهم، فالتفتوا إلى النبي (ص)، فقالوا له: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله. فأجابهم (ص): "إن كان خرج يسعى على ولده فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه فهو في سبيل الله". وورد عنه (ص) أنّه قال: "ملعون ملعون مَن ألقى كلّه على الناس"، ولذا فقد اعتبر العلماء العمل واجباً عينياً على الإنسان لإعالة نفسه ومَن وجبت عليه نفقته، كزوجته وولده ووالديه، إن لم يجدا نفقتهما. هذا أمر، ولكن الخوف والقلق من الفقر والحرص والشره على المال أمر آخر.

البحث عن السعادة (7).. الرِّضا المطلوب

الرِّضا عن النفس، الرِّضا عن الحياة، كما ذكر العلماء، هو أبرز مظاهر السعادة عند الإنسان، ولكن من أين يمكن اكتساب هذا الرِّضا؟ بلا شك لظروف الحياة المعيشية تأثيرها المباشر على حياة الإنسان، خصوصاً في المجتمعات النامية أو ما يُسمّى بـ(العالم الثالث)، فكيف تستقيم الحياة مع فقد المال والسكن والعمل والأمل؟ كيف ينظر الشباب إلى المستقبل مع زيادة نفقات الحياة وارتفاع تكاليف العيش وارتفاع نسب البطالة في نفس الوقت وعدم وجود "الضمان الإجتماعي" المقر عالمياً لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة التي توفِّر للإنسان الغذاء والدواء والسكن؟ القرآن الكريم يؤكِّد على أهميّة توفير تلك الأُمور، قال تعالى: (فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) (قريش/ 3-4). وفي المأثور: "لولا الخبز لما عُبِدَ الله". لقد جسَّد "ألبوعزيزي" التونسي الغاضب والمحبط قِمّة اليأس والبؤس الذي يعيشه الشباب في بلداننا. وهذا يتطلّب خطىً حثيثة وخطط شاملة لإصلاح الواقع السياسي والإجتماعي والنهوض بالحالة الإقتصادية. ويبقى السؤال قائماً، ماذا لو توفّرت متطلِّبات الحياة وأسباب الرفاه، فهل يحصل الإنسان على سعادته؟ بلا شك أنّ توفّر متطلِّبات الحياة الأساسية ومن ثمّ الحصول على الرفاه.. كل ذلك يُهيِّئ الإنسان لحياة أكثر استقراراً ويهبه نوعاً من الإطمئنان للمستقبل وقدراً من الرِّضا، ولكن ذلك لوحده لا يكفي إذا لم يرتبط ببرامج أخرى تستفيد من هذه الإمكانات لحياة أعلى قيمة وأكثر فعّالية ونشاطاً. أوروبا تنعم بالضمان الإجتماعي الشامل وهي تعيش مستوىً عالياً من الرفاه نسبة لبقية مناطق العالم، ولكنها في نفس الوقت تعجّ بالمشاكل الروحية والمعاناة النفسية.

البحث عن السعادة (6).. ذكر الرّحمن

ذكر الله يبعث في النفس المضطربة الأمن والإطمئنان.. ذكر الله في كل حال، بالقلب، باللسان، وبالعمل الذي يصدق القول ويسمو بالإنسان. ومن أعظم الذِّكر، ذكر الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: (ولله الأسماء الحُسنى فادعوه بها) (الأعراف/ 180). وإذا كان الإسم، ما يُعرف به ذات الشيء، وأصله من السُمو، وهو الذي به رُفِعَ ذِكر المُسمّى فيعرف به، فإنّ أسماء الله تعالى، هي التي تدلّ على ذاته وتحمل صفاته، قال تعالى: (هو الله الخالق البارئ المصوِّر له الأسماء الحسنى...) (الحشر/ 24)، حيث أنّ أكمل الصفات وأجلّها هي صفات الله تعالى. ويتمّ ذكر الله بأسمائه الحسنى بوجوه، منها: الأوّل: أن نذكر ونتذكّر دوماً أسماء الله ونستحضر صفاته في أنفسنا، فنعيش حقيقة العبودية التامّة له، في مختلف جوانب حياتنا، فإذا قلنا: الرّحمن، عشنا في أكناف الرَّحمة الإلهيّة التي غمرت الوجود (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف/ 165). لنحس في أعماق أنفسنا بأن رحمة الله تحيط بنا من كل جانب، وأنّ الله تعالى لا يريد بنا إلا خيراً، وهذا هو معنى الرَّحمة، وأنّ رحمته شملت في الدنيا المؤمن والكافر.. فإذا ما قابلها العبد بالشكر وأداء الواجب، اختصّت رحمته به في الآخرة.

البحث عن السعادة (5).. الصلاة المطمئنة


إنّ وقوف الإنسان في الصلاة أمام الله سبحانه وتعالى في خشوع وتضرُّع يمدّه بطاقة روحيّة تبعث فيه الشعور بالصفاء الروحي والإطمئنان القلبي والأمن النفسي(1).

إذا كانت الصلاة كذلك، فلماذا بعض المصلِّين لا يحسّون بكل هذه النعم العظيمة ولا يزالون يعانون من القلق والإضطراب؟
هذا سؤال جدّي ويحتاج إلى إجابة معمّقة لا يسعها هذا المقام وذلك لأنّ للحالات النفسيّة أسباب عديدة وبعضها وراثية وبيئية، وقد يحتاج بعضها إلى علاج طبي فعّال، ولكن لنسأل: هل المصلّون أفضل حالاً من غيرهم؟
بلا شك: الإجابة بـ(نعم)، فكم من المصلِّين يقدمون على الإنتحار؟
وهل يتساوى نسبة المرضى من المصلِّين مع غيرهم؟
الجواب: بلا شك بـ(لا)، فإنّ المتدينين أفضل حالاً من غيرهم.
وقد أثبتت الإحصائيات والدراسات في مجتمعات مادية كأميركا، بأنّ المتدينين أكثر شعوراً بالسعادة وأقل شعوراً بالوحدة.
ويعود جزء كبير من السعادة عند المتدينين إلى أنّهم يحسّون بوجود معنىً لحياتهم، حيث ثبت أنّ الأفراد الذين يفتقرون إلى معنىً لحياتهم يميلون إلى أن يكونوا أقل سعادة في كل جوانب الحياة "والتديُّن مصدر أكيد للسعادة، رغم قلّة تأثيره – في أميركا – وهو أكثر أهميّة لكبار السن وأكثر ارتباطاً مع
 السعادة الزوجية والصحّة"

ولكن ينبغي أن نعلم بأنّ الصلاة يزداد تأثيرها كلّما إزدادت فيها صلة الإنسان بربّه، لتكون حقّاً صلاة، ولتأتي ثمارها وتلقي بظلالها على حياة الإنسان، لذا قال الله تعالى : (قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون/ 1-2).

أمّا إذا كانت الصلاة مجرّد عادة وروتين، أو كانت صلاة الكسالى، أو صلاة الرِّياء.. فإنّها ستكون ثقيلة على النفس، خفيفة في الميزان، وسيقل بذلك تأثيرها في حياة الإنسان.
يقول الله تعالى(واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربِّهم وأنهم إليه راجعون) (البقرة/ 45-46).
ولكي نكتسب الخشوع، لابدّ من أن نشعر أو نتذكّر أنّنا نقف بين يدي الله تعالى، ربّنا وخالقنا، الذي منه بدأنا وإليه نرجع، فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن.. هو مالك الوجود ومالك يوم الدين، الذي لا نرجو إلا فضله ولا نخشى إلا عدله.
إنّ المصلِّي يتهيّأ لصلاته بالوضوء وهو إسباغ الماء على الوجه واليدين.. ويتطهّر للقاء الحبيب، والماء وهو يمر يذهب عن أطراف الإنسان غبار الحياة المادية وآثار الذنوب المعنوية.. ومع آخر قطرة من الماء – كما في الحديث – يخرج نقياً من الذنوب، ليشعر الإنسان ببرد المغفرة والرضوان، مع برودة الأعصاب واسترخاء الأعضاء، ففي الحديث الشريف: "إنّ الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ".
وإذ يقف الإنسان أمام ربّه، يحس بالخشوع، بالخوف والرَّجاء، بالأمل المقرون بالعمل، بالرَّحمة المنسكبة على كل وجوده وهو يُكبِّر ويُهلِّل، ويُسبِّح ويحمد، ويشهد ويُسلِّم.. يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ويختم بالسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. إنّه يُصلِّي وكأنّ الوجود كلّه معه يُصلِّي، ويخضع ويخشع ويسجد ويركع مع كل عباد الله الصالحين، من الأوّلين والآخرين، من الملائكة وعباد الله المقرّبين.. فيالها من لحظات أنس مع المولى تحمل معها هدوء الخلوة وحلاوة النجوى في نفس الوقت الذي تبعد عن النفس وحشتها ووحدتها، خصوصاً إذا اجتمعت مع المصلِّين في المسجد وصلوات الجمعة والجماعة.

يقول الطبيب توماس هايسلوب: "إنّ الصلاة أهم أداة عرفت حتى الآن لبث الطمأنينة في النفوس وبثّ الهدوء في الأعصاب".
يعتبر الإسترخاء أحد أساسيات العلاج النفسي الحديث في إزالة القلق، والوضوء والصلاة لخمس مرّات تهيِّئ للإنسان فرصة كبيرة للإسترخاء المرافق للراحة النفسيّة واستلهام الأمن وكسب الدعم الروحي من خلال الإتصال بالله تعالى، لذلك كان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يقول لبلال إذ حلّ وقت الصلاة: "أرحنا يا بلال"، وكان يقول: "قرّة عيني الصلاة"، وفي الأثر: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلمكان إذا حزّ به – اشتدّ – أمر صلّى(3).


البحث عن السعادة (4).. ذكر الله


من أسباب السعادة، الطمأنينة ومصدرها الأصلي: ذكر الله كما قال الله تعالى:/ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد28)، فما هو وما هي مظاهره؟
قد يُقال بأنّ ذكر الله تعالى: هو التسبيح والتكبير والإستغفار والدُّعاء والصلاة والصوم والحج والزكاة وقراءة القرآن، وكل هذه من الذكر وكلّها تؤدي إلى تزكية النفس وصفائها والشعور بالأمن والإطمئنان، ولكن ذكر الله مقولة تشمل هذه ولكنها أوسع منها.



كما إنّ الله تعالى، مطلق لا تحده حدود، كذلك ذكره يعمّ الوجود كلّه، فهو مع كل ذرّة وكل قطرة ماء وهو في الأرض كما في السماء.
إنّه إله الحاضر في كل مكان وزمان، كما يقول تعالى: (.. وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد/ 4).
فيكون ذكره، تذكره والإحساس بحضوره، وأنّه يسمع أقوالنا ويرى أفعالنا، وأنّ مبدأنا منه، وأنّ رجوعنا إليه، وأنّه الرّحمن الرّحيم، مالك يوم الدين، إيّاه نعبد وبه نستعين، ومنه نطلب أن يهدينا إلى الصراط المستقيم.
حضور العاشق بين يدي حبيبه.. فأحد معاني الله، الإله، المعشوق، ومعنىً آخر، هو المعبود، ومن الطبيعي أن يعبد الحبيب حبيبه، وأن يطيعه ولا يعصيه، وأن يأنس به دون غيره، وأن يذكره في يقظته ونومه، وأن يتمنّى ويريد الفوز برضاه والعيش في رضوانه.



فالذكر – لغةً – حضور الشيء بالقلب أو القول، والمراد بذكر الله كلاهما، فلابدّ للمحبِّ أن يعرب ويعبِّر عمّا في قلبه، وأن يكون صادقاً في حبّه، مطيعاً لولي أمره، لذا قيل: الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان (.. إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ...) (النحل/ 106).
فالأصل ذكر القلب، كما قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة/ 152).
وذكر الله يكون بالطاعة والعبادة، ففي حديث الدر المنثور عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "مَن أطاع الله فقد ذكر الله... وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن، ومَن عصى الله فقد نسي الله، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن".
وفي الأثر: أنّ الله تعالى: "أخبر عن نفسه، فقال: أنا جليس مَن ذكرني – فلا يمكن لله تعالى أن يجالس عاصياً مقترفاً للمنكر والسيِّئات – وقال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة/ 152)، إذكروني بالطاعة والعبادة أذكركم بالنعم والإحسان والراحة والرضوان.



ولكي يكون الله حاضراً في أنفسنا فلا ننساه ولا ينسينا الشيطان ذكر ربّنا، جاءت الأعمال المختلفة لتوطد فينا هذا الحضور المبارك، لتذكرنا أينما غفلنا، ولتقرِّبنا إليه تعالى، متى أردنا.
فمن الذكر التسبيح، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) (الأحزاب/ 41-42).
ومنه تلاوة القرآن، ومنه الصلاة، قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت/ 45).
وفي الآية المباركة هذه إشارات فيه شرف للذاكرين، قال بعض العلماء: أي لذكرك الله أعظم من كل شيء في الدنيا وهو أن تتذكّر عظمته وجلاله، وتذكر ربّك في بيعك وشرائك، وفي كل شؤون حياتك، ولا تغفل عنه أبداً، ليكون حصناً لك من الشيطان، والله يعلم جميع أعمالكم وأفعالكم فيجازيكم عليها"(1).
فالذكر الحاصل من الصلاة: "هو أعظم ما يناله الإنسان من الخير وهو مفتاح كل خير"(2)، لأنّه ينير القلب بضياء الهدى فيعمّ الخير والسرور كل أرجاء الحياة.
وفيها إشارة أيضاً إلى أنّ حظ المؤمن من الصلاة بمقدار ذكر ربّه فيها، فهي الهدف من الصلاة كما قال تعالى: (.. أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طه/ 14)، بل الهدف من كل عبادة.. وقد ورد في الأثر: أن "لكل امرئ من صلاته ما وعى"، لذا ولكي تنتج الصلاة آثارها وتنشر بركاتها، لابدّ من الإقبال عليها والخشوع فيها وقوفاً بين يدي الله تعالى ذاكراً له مستذكراً لما يقرأه من آيات وتسبيح وتشهد وتسليم.
وإذا كانت الصلاة كذلك، ازدادت حلاوتها وخفَّ ثقلها على المصلِّي وثقلت في ميزان الأعمال، لا كالذين يقومون إلى الصلاة وهم كسالى، ولا كالذين يراؤن ويمنعون الماعون – عن الفقراء -.
وكانت الصلاة كذلك خير معين وأفضل مصدر للطمأنينة، قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة/ 45-46).


البحث عن السعادة (3).. دور الإيمان في بعث الإطمئنان


للأفكار التي يحملها الإنسان، خصوصاً الأفكار المسبقة، تأثير كبير على سلوك الإنسان وطريقة تعامله مع الأشياء والأحداث.
هذا ما يقرّه علم النفس الحديث، ولذا تسعى الكثير من مناهج علم النفس إلى تغيير أفكار الإنسان عن الحياة، عن الماضي، عن المستقبل، عن نفسه وعن الآخرين، بغية حل الإشكالات النفسيّة وإزالة أسباب التشاؤم أو الخوف أو القلق(1).
يقول مايكل أرجايل: "يمكن تخفيف الإكتئاب – وهو من الشعور بالتعاسة – بطرق علاجية مختلفة لنجعل الناس ينظرون نظرة أكثر إيجابية للأُمور ويقيمون أنفسهم على نحو أفضل دون إنتقاص، ويحدِّدون لأنفسهم أهدافاً أكثر قابلية للتحقيق، ويتخلون عن المعتقدات الخاطئة التي تؤدي إلى التعاسة.."(2).
ترى أيهما أكثر إيجابية في نظره للحياة وحوادثها.. الشخص الذي لا يؤمن، فهو يرى الحياة قصيرة والعمر يفنى والمرضى يتفشى والفرص تمر... وكلّما تقدّم يوم في حياته كلّما اقترب من نهايته... نهاية مجهولة لا يعلم ما هي ولا يدري أين ينتهي به المطاف، فهو في قلق دائم وخوف مستمر؟
هذا أكثر إطمئناناً أم المؤمن الذي يرى أنّ الكون والوجود كلّه بيد الله، وهو اللطيف بعباده وهو أرحم الراحمين، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة، وهو الذي أرأف بعبده من الطير بفراخها؟
أيهما يشعر بالوحدة والغربة وبالتالي الإكتئاب؟ غير المؤمن الذي يعيش لنفسه في عالم يعجّ بالوحوش، ويتسابقون على المنافع والمصالح، وكلّ يريد إفتراس غيره؟
أم المؤمن الذي يسمع نداءً خفياً في داخله: (لا تحزن إن الله معنا...) (التوبة/ 40).
(.. فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأنعام/ 48).

إنّ غير المؤمن يرى الحياة في نقيصة مستمرة، فالشباب يبلى، والقوة تضعف، وهو في انحدار يوماً بعد يوم، أمّا المؤمن فيرى الحياة مزرعة للآخرة وإنما (.. لَهِيَ الْحَيَوَانُ...) (العنكبوت/ 64)، فهي البقاء الأبدي السرمدي الذي لا يفنى... وأنّ المؤمن ليس وحيداً ولا فريداً، لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة حيث يقول الباري تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت/ 30-31).
من هنا جاء الإيمان بالآخرة إمتداداً للإيمان بالله تعالى، ومكملاً لعقيدة المؤمن (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...) (آل عمران/ 114)، فلا تستقيم الأمور بلا آخرة وحساب وكتاب، لأنّ الحياة الدنيا محدودة، وقد لا يحصل المؤمن فيها على اللذة والراحة، فهناك يجزى الجزاء الأوفى حيث النعيم المقيم بما تشتهي الأنفس وما لذّ وطاب، وحيث اللقاء مع المحبوب، الخالق الكريم.
وقد يرى المؤمن أناساً قد طغوا وفسدوا وفسقوا وظلموا، ولكنهم غادروا الدنيا بلا عقاب يتناسب مع أعمالهم ولم ينتقم للمظلومين منهم، فلو لم تكن هناك الآخرة لاختل الميزان ولم يكن في الوجود حق وعدل، ولكنها الآخرة، حيث حضور الخلق كلّهم بين يدي الله، الحاكم العادل، العزيز الجبار (.. وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الجاثية/ 22).
فإذا عَلِمَ المؤمن بأنّ الله تعالى لا يضيع عنده أجر العاملين والمحسنين والمصلحين وكل مَن أحسن عملاً، فلا يحس المؤمن بالخسران ونقصان الحياة وضياع العمر، بل إنّه يزداد يوماً بعد آخر إيماناً وتسليماً لأمر الله وحسن الظن بوعده، وبالتالي إطمئناناً إلى حسن عاقبته حيث الأمان والإستقرار.
أمّا الكافر، فإنّه يعيش حياة البؤس واليأس، حيث لا يؤمن في حياته ولا يطمئن إلى آخرته، لذا حق قول الله عليه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه/ 124)، لأنّه يحسّ يوماً بعد آخر بالضياع والخسران، فلا أملاً في ربّه ولا أُفقاً رحباً لحياته.


البحث عن السعادة (2).. ما هي الطمأنينة؟

بعض الأسماء والأوصاف سهلة ولطيفة، ولكن استحصالها ليس بالسهل، فمن يا ترى يعيش الطمأنينة في هذا العالم الذي يعجّ بالخوف والإضطراب؟
قال الراغب: "الطمأنينة والإطمئنان: السكون بعد الإنزعاج، قال الله تعالى: (ليطمئنّ قلبي) (البقرة/ 260)، (يا أيتها النفس المطمئنّة) (الفجر/ 22)، وهي أن لا تصير أمّارة بالسُّوء. وقال الله تعالى: (ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب) (الرعد/ 28)، تنبيهاً أن بمعرفته تعالى والإكثار من عبادته يُكتسَبُ إطمئنان النفس..."(1).

الإطمئنان يعني الأمان، فكيف يمكن أن ننتقل بالنفس من عالم مضطرب إلى جزيرة آمنة مستقرة؟
وللحصول على الأمن، لابدّ من الإبتعاد عن مصادر الخوف والقلق، والتي يمكن أن تهاجم النفس الآمنة من كل صوب، لتحوِّل بحرها الهادئ إلى بحر لجيّ مضطرب الأمواج، فلا يستقر لها حال ولا بال.
ومصادر الإضطراب نوعان:

الأولى: فكريّة، وهي التي تسبِّب الشكّ والإرتياب.
والثانية: حياتيّة تسبِّب الخوف والحزن.
وعلاج الأولى، أن تكون النفس متيقنة بالحق، فتطمئن ولا تشك ولا ترتاب.
ولا يحصل ذلك إلا بذكر الله، إيماناً وتصديقاً، ذلك أنّ الإنسان يُفكِّر دوماً في الأسباب والمسبِّبات.. "فكلّما وصل إلى سبب يكون هو ممكناً لذاته، طلب العقل له سبباً آخر، فلم يقف العقل عنده، بل لا يزال ينتقل من كل شيء إلى ما هو أعلى منه، حتى ينتهي في ذلك الترقي إلى واجب الوجود لذاته –  الله تعالى – مقطع الحاجات ومنتهى الضرورات.. فلمّا وقفت الحاجة دونه، وقف العقل عنده واطمأن إليه ولم ينتقل عنه إلى غيره.. فثبت أنّ الإطمئنان لا يحصل إلا بذكر واجب الوجود"(2)، وهو الله تعالى.
وهكذا فإنّ آلاف الأسئلة، بل ملايينها لا تنقطع ولا تتوقف ولا تصل إلى نتيجة إلا إذا آمن الإنسان بالله ولجأ إليه.. وبذلك يخرج من بين أمواج الريبة واضطرابها إلى برِّ الأمان.

لنضرب مثلاً، إذا سأل سائل: ما مصدر المياه في الأنهار والمحيطات؟ أجيب بأنه من المطر، فيقال: من أين يأتي المطر؟ قيل من السحاب، فمن أين؟ من بخار الماء، فما الذي يبخره؟ قيل حرارة الشمس، فمن أين؟ قيل من حريقها، فمن الذي جعل الشمس محرقة ولم يجعل الأرض كذلك؟ وهكذا تنهمر الأسئلة وتنهال، بلا نهاية، ما لم يأتي الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم  ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء...) (الرُّوم/ 48).
(الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار * وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار) (إبراهيم/ 32-33).
(الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءً...) (غافر/ 64).
(الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) (الزمر/ 62).
الله... الله... الله.

ثمّ ننتقل من عالم الطبيعة إلى عالم الحياة الجارية وما فيها من حوادث سارّة وضارّة، مفرحة ومقرحة، مفاجئة وحزينة، لتأتي الأسئلة تترى وحيرى، فَمَن الذي يدبِّر الوجود؟ مَن الذي يديره؟ مَن الذي ينعم على الناس ويوزِّع بينهم الأرزاق؟ مَن الذي يهب لمن يشاء الذكور ويهب لمن يشاء الأناث؟ مَن الذي يهب الحياة؟ ومَن الذي يأخذها؟
والجواب: هو هو، ولا جواب غيره: بسم الله الرحمن الرحيم  (الله الذي خلقكم ثمّ يرزقكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم.. هل من شركائكم مَن يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عمّا يشركون) (الرُّوم/ 40).
(الله الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر...) (الإسراء/ 30).
(والله الذي خلقكم وما تعملون) (الصافّات/ 96).
لقد قالها أحد فلاسفة الغرب: "لو لم يكن هناك إله لوجب أن نخلق إلهاً لأنّ الكون لا يستقيم له حال من غير إله".
وقال ربّ العزّة من قبل: (ولئن سألتهم مَن خلق السموات والأرض ليقولنَّ الله...) (الزمر/ 38).


وهكذا يجول العقل ويصول، ولا يهدأ له بال، ولا يستقر به حال، ولن يهدأ ولن يطمئن، إلا بالإيمان بالله تعالى وذكره، ولكن يبقى هناك سؤال: كيف يمكن تدعيم الإطمئنان بالإيمان؟


البحث عن السعادة (1).. مفهوم السـعادة


ما هو أرقى خير يمكن أن يبلغه المرء بجهده؟ يتفق عامة الناس وصفوتهم على أنه "السعادة"، ولكنهم يختلفون في تحديد كنهها.
هذا ما قاله أرسطو قبل آلاف السنين، ولكن لازال السؤال قائماً، ولازال الناس يبحثون عن طرق اكتساب السعادة، وقد يصرفون الأعمال والأموال دون أن يحصلوا على ما يريدون، فما هي السعادة؟ وأين نحصل عليها؟

الدراسات والبحوث التجريبية، توصل إلى وجود عامل عام للتعبير عن السعادة وهو الشعور بـ "الرضا الشامل"، وقد يفسّر هذا العامل بالشعور بإعتدال المزاج والتعبير بالرضا عن الحياة.

والناس قد يصفون السعادة إمّا على أنها شعور بالرضا والإشباع وطمأنينة النفس وتحقيق الذات، أو أنها شعور بالبهجة والإستمتاع واللذة.
والجامع لكل هذه المشاعر، كما سبق، هو الشعور بالرضا - وإن اختلفت أحوال الناس وأوضاعهم وأفكارهم - فإذا قال بعض الناس إنهم راضون جداً عن معيشتهم في كوخ من الطين، فلابدّ أن نفترض أنهم راضون بالفعل(1).

وذلك لأنّ السعادة هي ما يشعر به الإنسان في داخله، فالعالم هو عالم النفس، لا العالم الخارجي، فإذا ما تنوّر القلب، كانت الدنيا منيرة في نظر الإنسان.. والعكس صحيح، فالظلمة تعني قبل كل شيء العتمة في عالم النفوس والأرواح.

في الفكر الإسلامي: الفلاح هو الظفر بالسعادة، وإدراك بغية النفس، أي تحقيق رضاها، وهي كذلك حالة نفسيّة ولكنها قد تحصل بالفوز بمغنم أو مكسب، وذلك شعور موقت، وقد تحصل بالتضحية بمغنم أو مكسب، مع رضا النفس ولذتها بهذه التضحية، لذلك عبّر القرآن الكريم عن الأنصار الذين قدّموا الأموال والمساكن وغيرها للمهاجرين، بأنهم مفلحون، كما قال الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون) (الحشر/ 9).
للسعادة في القرآن مراتب، كما هي في الحياة ولدى سائر الناس، فالإنسان في تعبير القرآن: كادح إلى ربّه (الإنشقاق/ 6)، ساعياً إلى لقائه، من خلال التمثل بأسمائه وصفاته.. إنّه يريد أن يتخلّق بأخلاق الله، ليكون ودوداً، رحيماً، رؤوفاً، كريماً، عالماً، مقدّساً، في أخلاقه وعاداته.
والدرجة العليا من السعادة هي النفس المطمئنة المتجلية في قوله الله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنّتي) (الفجر/ 27-30).

إنّه الأمن والإطمئنان الذي يطبع النفس فيملأها رضا عن ذاتها ورضا عمّا حولها.. وليس الرضا رضاها فقط، بل إنها مرضية أيضاً، فالله تعالى رضي عنها، والكون كلّه يعلن رضاه أيضاً لأنها لم تسلك طريقاً خاطئاً ولم تعمل عملاً سيِّئاً، بل كانت كلّها خير ومنفعة للناس جميعاً.. أليس الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يقول: "خير الناس أنفعهم لهم"؟.


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting